الشوكاني
91
فتح القدير
فكادوهم وكفروا بهم ، وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله سبحانه ، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم ، وأن المكر كله لله ، فقال ( فلله المكر جميعا ) لا اعتداد بمكر غيره ، ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره ، فقال ( يعلم ما تكسب كل نفس ) من خير وشر فيجازيها على ذلك ، ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له ، لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون . وقال الواحدي : إن مكر الماكرين مخلوق فلا يضر إلا بإرادته ، وقيل المعنى : فلله جزاء مكر الماكرين ( وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " الكافر " بالإفراد ، وقرأ الباقون " الكفار " بالجمع : أي سيعلم جنس الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا ، أو في الدار الآخرة ، أو فيهما ، وقيل المراد بالكافر : أبو جهل ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا ) أي يقول المشركون أو جميع الكفار : لست يا محمد مرسلا إلى الناس من الله ، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم ، فقال ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) فهو يعلم صحة رسالتي ، وصدق دعواتي ، ويعلم كذبكم ( ومن عنده علم الكتاب ) أي علم جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل ، فإن أهلهما العالمين بهما يعلمون صحة رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري ونحوهم ، وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم ، فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك ، وقيل المراد بالكتاب القرآن ومن عنده علم منه هم المسلمون ، وقيل المراد من عنده علم اللوح المحفوظ ، وهو الله سبحانه واختار هذا الزجاج وقال : لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره . وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( ننقصها من أطرافها ) قال : ذهاب العلماء . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( ننقصها من أطرافها ) قال : موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية قال : موت العلماء . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض . وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق أخرى عنه نحوه . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : يعنى أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون . وقال الله في سورة الأنبياء - نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون - ، بل نبي الله وأصحابه هم الغالبون . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : نقصان أهلها وبركتها . وأخرج ابن المنذر عنه قال : إنما تنقص الأنفس والثمرات وأما الأرض فلا تنقص . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : أولم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) ليس أحد يتعقب حكمه فيرده كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسقف من اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هل تجدني في الإنجيل ؟ قال لا ، فأنزل الله ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) " يقول عبد الله بن سلام . وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال : جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي باب المسجد . ثم قال : أنشدكم بالله أتعلمون أنى الذي أنزلت في ( ومن عنده علم الكتاب ) ؟ قالوا : اللهم نعم . وأخرج